حين تتحول السينما إلى شهادة حقوقية.. 6 أفلام تسجل الانتهاكات في فنزويلا (فيديوهات)
حين تتحول السينما إلى شهادة حقوقية.. 6 أفلام تسجل الانتهاكات في فنزويلا (فيديوهات)
تتسارع الأحداث في فنزويلا، حتى أصبح من الصعب إدراك عمق الأزمة فقط من خلال العناوين، فبينما يصف بعض الإعلام ما يحدث على أنه "أزمة سياسية" أو "مواجهة دولية"، تأتي السينما بوصفها جسراً آخر يربط بين المشاهد والواقع، ويحوّل ما يبدو مجرد خبر إلى تجربة إنسانية شخصية.
هنا تتجلى السينما بوصفها أداة تعاطف، كما وصفها الناقد السينمائي روجر إيبرت، لكنها في الوقت ذاته تتحول إلى شهادة حقوقية قوية تُسجل الانتهاكات والفساد والتلاعب السياسي والاقتصادي.
يؤكد تقرير أعدته مجلة "فورين بوليسي" أن فهم الأزمة الفنزويلية لا يقتصر على قراءة التقارير والتحليلات، بل يحتاج إلى تجربة أعمق، وهذا ما تقدمه السينما من خلال أفلام قليلة لكنها ذات أثر كبير، ففنزويلا، رغم أنها دولة غنية بالموارد الطبيعية، تعاني من انهيار اقتصادي واجتماعي شديد، وظهور نظام سياسي يواجه اتهامات بالفساد والتلاعب بالسلع الأساسية، وتداعيات إنسانية واسعة على السكان.
وفي هذا السياق، تظهر 6 أفلام تمثل نافذة نادرة على حياة الناس، ومعاناتهم، وتناقضات الواقع السياسي، فتتحول إلى "شهادة" بصرية لا تقل قوة عن التقارير الصحفية.
تبدأ القائمة بفيلم "رجال الحرب" (Men of War) الذي كان يستحق المشاهدة حتى قبل تحركات ترامب في فنزويلا، لكنه الآن أصبح أكثر أهمية. الفيلم الوثائقي الذي صدر عام 2024، يستعرض عملية "جدعون" التي تُعرف أيضًا بحادثة خليج الخنازير، عندما حاولت مجموعة صغيرة من المرتزقة الأمريكيين الإطاحة بحكومة مادورو في عام 2020.
رغم أن الحادثة اعتُبرت هامشية في وقتها، فإن الفيلم يُظهرها حادثة تحمل عمقًا أكبر، ويضع في قلبها شخصية جوردان غودرو، الجندي السابق في القوات الخاصة الأمريكية الذي يُصور بوصفه شخصاً ساذجاً يشبه شخصيات أفلام الأخوين كوين، لكن وراء السخرية يكمن واقع خطير يكشف شبكة من الفساد، والمرتزقة، والولاءات المتغيرة.
تُوضح "فورين بوليسي" أن الفيلم يغوص في عالم عقود الأمن الخاصة الغريب، والفساد في أوساط مجتمع الأعمال الفنزويلي المغترب، والضغائن الدفينة داخل الجيش الفنزويلي، ويبدو الفيلم اليوم أكثر قتامة حين تتصاعد الأزمات، ويُعلن ترامب نفسه "رئيسًا مؤقتًا" لفنزويلا عبر صفحة مزيفة على ويكيبيديا، في ظل ما يبدو أنه تصاعد في مخاطر التدخلات الخارجية.
وهنا يصبح الفيلم ليس مجرد وثائقي عن محاولة انقلاب، بل شهادة على مناخ سياسي يسمح بانزلاق البلاد إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار.
وينتقل التقرير بعد ذلك إلى فيلم "ذات مرة في فنزويلا" (Once Upon a Time in Venezuela)، وهو فيلم وثائقي يختلف كليًا في نبرته عن الفيلم السابق، الفيلم الذي عرض لأول مرة في مهرجان صندانس عام 2020 يقدم نظرة هادئة وواقعية على قرية كونغو ميرادور، وهي قرية صيد صغيرة تطفو على مياه بحيرة ماراكايبو التي تُعد المصدر الرئيسي لاحتياطيات النفط في فنزويلا، ومع أن القرية كانت تعيش حياة بسيطة، فإن التلوث والترسبات جعلاها شبه غير صالحة للسكن، لكن المجتمع لا يزال متشبثًا بالأمل.
يبرز التقرير أن الفيلم لا يركز على البيانات أو الأرقام بقدر ما يركز على الانغماس في البيئة الإنسانية، فالمشاهد التي تُعرض في الفيلم تشمل معلمين يبحثون عن أقلام بها حبر، ومسابقة جمال للأطفال، وجلسات تخطيط سياسي، وفي قلب هذا الواقع تظهر شخصية السيدة تمارا، سيدة أعمال محلية متعلقة بشدة بالزعيم الراحل هوغو تشافيز، وتُظهر الحوارات كيف أن الولاء السياسي قد يتحول إلى شكل من أشكال الإكراه الاجتماعي، حين تُمارس ضغوطًا على السكان ليعبروا عن دعمهم لمادورو أو لتشافيز، عبر توزيع هدايا، أو وعود، أو حتى تهديدات ضمنية.
تُبرز "فورين بوليسي" أن الفيلم لا يتجاهل الفساد، لكنه يقدم تمارا بوصفها شخصية معقدة، تجمع بين الإيمان الثابت بمبادئ الثورة البوليفارية وبين أساليب ضغط ومساومة على الناخبين، وهنا يتحول الفيلم إلى شهادة على واقع سياسي لا يقتصر على القمع المباشر، بل يشمل أيضًا ممارسات من نوع آخر؛ إذ يُستخدم الدعم الاجتماعي أداة لتكريس الولاء، ويُستغل الفقراء في اللعبة السياسية، ويُحاصر الاختلاف داخل المجتمع نفسه.
تنتقل القائمة بعد ذلك إلى الفيلم الصحفي: “مهمة خطيرة: كشف الفساد في فنزويلا مادورو" (The Dangerous Mission: Exposing Maduro’s Venezuela)، وهو فيلم يركز أكثر على الحبكة، ويروي قصة أليكس صعب، رجل الأعمال الكولومبي الفنزويلي الفاسد، والمخبر السابق لوكالة مكافحة المخدرات الأمريكية، والصديق المقرب لمادورو، يقدم الفيلم قصة حقيقية مذهلة عن الفساد، والاختلاس، واستغلال برامج اجتماعية مفترض أنها لإنقاذ الفقراء.
ويظهر التقرير أن الفيلم يكشف كيف أن برنامج "اللجان المحلية للإمداد والإنتاج" (CLAP) الذي يُفترض أنه يوزع مواد غذائية على الفقراء، أصبح جزءًا من شبكة فساد، حيث تُوزع مواد غذائية رديئة، وتذهب الأموال إلى جيوب الفاسدين.
كما يبرز الفيلم كيف أن مادورو يستخدم هذه القضايا وسيلة لحشد التأييد ضد الولايات المتحدة، ويحوّل الفساد إلى ذريعة لمزيد من الخطاب المناهض للخارج.
ويُضيف التقرير أن الفيلم يعرض كيف أن الروبرتو دينيز، الصحفي الفنزويلي الذي لجأ إلى كولومبيا طلبًا للأمان، يصبح عينًا على عالم مادورو، ويكشف تلاعبًا يمتد إلى أبعاد إنسانية شديدة، ففي هذا الفيلم لا تُقدم الأحداث كأنها مجرد خبر، بل قصة إنسانية، تضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع واقع يتجاوز ما يمكن أن تُقدمه التقارير التقليدية.
وتشمل القائمة الفيلم الروائي "سيمون" (Simón) الذي يركز على قصة شاب فنزويلي يعيش في ميامي، ويُعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ويكشف من خلال ذكرياته ومحادثاته كيف تحول من قائد طلابي مؤيد للديمقراطية إلى مهاجر يبحث عن الأمان. يقدّم الفيلم صورة إنسانية واضحة عن أثر القمع السياسي في الأفراد، وكيف أن التهديد على الحياة يجعل الأشخاص يضطرون إلى اتخاذ قرارات خاطئة، أو الدخول في دوامة من الألم النفسي.
ويُوضح التقرير أن الفيلم لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يركز على أثر الأزمة في الحياة اليومية: صعوبة الحصول على الأدوية مثل الأنسولين، وخطر الفقر، والضغط النفسي الذي يرافق الهجرة.
كما يعرض مشاهد وحشية في السجن، وتعذيبًا جسديًا ونفسيًا، ما يجعل الفيلم شهادة على الانتهاكات التي لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو المعتقلين، بل بعدد الأجساد التي تُكسر يوميًا، وبعدد الأرواح التي تُنهك.
كما تشمل القائمة فيلم "المحرر" (The Liberator)، وهو فيلم سيرة ذاتية ضخم عن سيمون بوليفار، ويعرض حياة الرجل الذي يُعد رمزًا للتحرر في أمريكا اللاتينية، وعلى الرغم من أن الفيلم ليس وثائقيًا عن الأزمة الحالية، فإن وجوده في القائمة يعكس معنى رمزيًا: ففنزويلا التي تحمل اسم زعيم التحرر تعيش اليوم أزمة تطرح سؤالًا عن معنى الحرية، وعن مدى قدرة الثورة على الحفاظ على حقوق الناس، وكيف تتحول الشعارات إلى أدوات سلطة.
يُشير التقرير إلى أن الفيلم يقدم قصة بوليفار بسرعة وسلاسة، لكن مع بعض الاختصارات. ورغم ذلك، فإن الفيلم يثير تساؤلات عن معنى الثورة، وعن كيف تتحول القيم إلى أدوات سياسية، وكيف يمكن أن يتحول رمز التحرر إلى عنوان لحالة من القمع أو الفساد.
ويضاف إلى هذه القائمة، بشكل شبه مفقود، فيلم "نيكولاس" (Nicolas)، وهو فيلم سيرة ذاتية عن مادورو أُنتج لحملته الانتخابية عام 2024، ومع صعوبة العثور على الفيلم على الإنترنت، فإن ذكره يُظهر أن النظام نفسه يسعى إلى إنتاج سرد موازٍ، يهدف إلى تقديم مادورو بوصفه رمزاً، وبناء صورة جديدة حوله، وهذا يُظهر كيف أن السينما لا تُستخدم فقط من قبل المعارضة أو الصحفيين، بل أيضًا من قبل النظام نفسه، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ وتشكيل الوعي.
تُختتم هذه المجموعة من الأفلام لتؤكد أن السينما يمكن أن تكون أداة حقوقية قوية، تُوثّق الانتهاكات وتُقدمها في شكل إنساني مؤثر، لا يترك المتلقي مجرد متفرج على خبر، فهذه الأفلام الستة لا تُعد فقط سردًا عن الأزمة الفنزويلية، بل تُحوّل الأزمة إلى شهادة بصرية، تُذكر العالم أن ما يحدث ليس مجرد صراع سياسي أو أزمة اقتصادية، بل هو انتهاك مستمر لحقوق الناس في الحياة والكرامة والحرية.
ويُؤكد التقرير أن السينما، وهي "آلة تعاطف"، تملأ الفجوة بين العنوان والخبر، وتمنح الجمهور القدرة على فهم الأزمة بشكل أعمق، كما لو كانوا يعيشونها، وفي عالم تتسارع فيه الأخبار، تبقى هذه الأفلام شاهدة على أن الحقيقة ليست مجرد أرقام أو بيانات، بل هي حياة بشرية تُسلب يوميًا.











